أنا وإيران ...كتاب مفتوح ... قريبا

بقلم : نجاح محمد علي - كاتب عراقي

 

قررت أن أكتب(قريبا)، عن أخطاء الجمهورية الإسلامية في التعاطي مع الأصدقاء،وبراعتها في تحويلهم والأنصار، إلى أعداء.

 

و ما سأكتبه سيكون انطلاقا من تجربتي الشخصية، ومعاناتي طيلة ربع قرن من الزمان قضيتها في هذا البلد الذي لم أحصل فيه على أبسط حقوق اللاجئ أو المهاجر،وبدلا من ذلك أعطيته الكثير الكثير.

 

كنت وفي مقال سابق بعنوان(هل مضى زمن إذلال العراقيين؟) وقد نشر العام الماضي في صحيفة الوفاق الإيرانية، وعدد من الصحف العربية والمواقع الاليكترونية، تطرقت إلى ( أخطاء إيرانية) في التعامل مع المهاجرين العراقيين من أمثالي، وحذرت من غضبة الحليم(العراقي) إذا استمر إذلاله من قبل إيران أو من غيرها، ونصحت مشفقا بتجنب إهانة العراقيين و إذلالهم، ودعوت إلى صداقة و إخوة وسلام بين شعبين يجب أن يظلا على الدوام متعانقين بحقائق التأريخ والجغرافيا.

 

ويبدو أن بعض القوى، هنا داخل نظام الجمهورية الإسلامية ممن هو مولع بصنع "ملفات" لامثالي، لم يتعظ من تجربة فشل السياسة الإيرانية مع المهاجرين الأفغان، والعراقيين،والذين حولتهم البراعة الإيرانية، إلى أعداء، أو في أحسن الأحوال إلى سفراء كراهية، يساهمون بقصد أم بدونه، في تفتيح بذور التوتر التي تعمل عليها أجندة خارجية بين ايران وجيرانها،وهاهي هذه( القوى) تحيي في ذاكرتي ما كنت طويته أو محوته منها، في الفترة الماضية، وتعيدني إلى نقطة البداية...لو أني عرفت خاتمتي ما كنت بدأت.

 

سأكتب لكم عن كل ما لدي من معلومات عن إيران،وإخفاق الجمهورية الإسلامية التي أطلقت على نفسها (أم القرى) في خطب ود العديد من حركات التحرر والمستضعفين في العالم رغم كل الدعم الذي قدمته لها تطبيقا لمواد بارزة من الدستور.

 

وسأكتب عن طريقة تعامل إيران وبعض أجهزتها تحديدا، مع غير الإيرانيين،خصوصا العراقيين،وعن وصايا الإمام الخميني الراحل قدس سره الشريف، وخليفته آية الله علي خامنئي،بالعراقيين في إيران، والتطبيقات العملية لها التي لا تمت بصلة لتلك الوصايا،وأقارن بين إجراءات سفر العراقي ومروره من بوابة المغادرة أو العودة في المطار،وبين غيره خاصة إذا كان (هذا الغير)يحمل جوازا غربيا،وسأذكر تفاصيل عن نظرات وسلوكيات ضباط و مسئولي إدارة الجوازات،و الإقامة والهجرة، المشككة، والمتهمة ،والمحتقرة في أغلب الأحيان، للعراقي، فهو بنظرهم ،إسلاميين كانوا أم قوميين، أم مجرد إيرانيين: مزور ومهرب وحتى جاسوس، وطفيلي يزاحم بني جلدتهم في لقمة العيش، وإن كان صحفيا معروفا أو تاجرا محترما ، أو حتى رجل دين.

 

سأحدثكم عن تصرفات "ملكي" الموظف البسيط في رئاسة الجمهورية،وأخبركم أنه يعرف الغطاء القوي الذي أتمتع به من قبل نائب الرئيس الحجة محمد علي أبطحي وإمكانية أن أشتكي عليه،ومع ذلك فهو يصر على ممارسة أنواع الإهانة "المحترمة" معي ومع فريقي ،ويحرص بحجج واهية، على وضع العراقيل أمام عملنا في تغطية أخبار الرئيس.

 

وفي المقابل سأتحدث طويلا عن الرئيس نفسه واحترامه للصحفيين، ولمصوري الشاب الصغير، وعن أخلاقه الرفيعة وسمو منزلته وأدبه الجم ،حتى في رفضه الرد أحيانا على أسئلة الصحفيين.

 

كما سأكتب لكم عن أبطحي وحبه للعرب وللعراقيين،ومرونته وبساطته وذكائه،وجرأته وشجاعته،وعن أسرته العريقة، ومركز حوار الأديان الذي تديره زوجته، وعن أبيه أستاذي ومرشدي آية الله حسن أبطحي،وعن لقاءات روحية لا تنسى كانت تجمعنا في مشهد وطهران.

 

وسأكتب لكم عن علي رضا شيروي ،ذلك الأسير المحرر من سجون النظام السابق، ودعمه المتواصل لي شخصيا ولكل صحفي عراقي فهو لم يتأثر سلبا خلال فترة أسره التي امتدت إلى سبع سنوات في بلادنا ، وأحدثكم أيضا عن قدرته الفائقة في إيجاد التوازن بين دعمه لنا، والتزامه بأداء وظيفته كمسئول عن عمل الصحفيين الأجانب، وعن السيدة إقبال وثقافتها العالية،وسرعة استجابتها لتسهيل مهمة الصحفيين، وقبل ذلك سأكتب لكم عن رئيسهم الاكبر محمد حسين خوشوقت ،ومواقفه الايجابية،وروحه الحضارية، وطبعا ساذكر بالعرفان كل العاملين في وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي..ولي في ذ لك تفصيل كثير.

 

وأكتب عن رجل (يرفض أن أذكر اسمه فهو يعمل لله وقد تأكد لي ذلك وسأذكر حرفا من لقبه فقط وهو ط) دعمني ووقف إلى جانبي وساهم بايجابية في تذليل العديد من العقبات والعراقيل أمامي و أمام أسرتي، وبات واحدا منا نأنس به ونشكو له همومنا، ويناضل من أجل ان لانشعر أنّا غرباء ...هنا.

 

سأكتب وسأكتب ولكن بعد أن يفرغ البال، وتستقر الأوضاع قليلا في عراقنا الحبيب، وبعد أن أغادر إيران (ربما قريبا) ،ولن أكتب الآن، ليس خوفا من سطوة أو اعتقال، فهذا ما جربته في الجمهورية الإسلامية، وذقت مرارته وقسوته،ولكن لأنني سأكون أكثر هدوء خارج إيران وأنا احلل و أفسر و أسجل ما جرى عليّ خلال أكثر من نصف عمري بحساب السنين والأعوام، وحتى لا أثأر لنفسي.

 

لن أكتب الآن، لأنني،ولن أكتمكم، يسيطر عليّ حاليا غضب شديد بسبب موقف استجد وكنت طويته ووضعته في سجلات التأريخ،وقد أحياه في نفسي بعض الإيرانيين النافذين ، واذا كتبت الآن فإنني قد أظلم إيران، وأنحاز إلى نفسي وتفسيراتها وانفعالاتها الذاتية بين حب وبغض، ولهذا فإنني أفضل أن أرتاح قليلا وأن أمنح نفسي وقتها خارج إيران، لكي يأتي ما سأكتبه، موضوعيا ، أو يقترب منه إلى حد كبير، دون أن أتجاهل، بالطبع لحظات الحب التي منحتها لهذا البلد الذي ولد فيه كل أبنائي، ولدي فيه ذكريات حلوة، ولكنها أقل بكثير من سنوات القهر والألم، والسير على الألغام.

 

فترقبوا كتابي المفتوح هذا ،واعتبروا أنفسكم قرأتموه إذا غبت عنكم قسرا.

 

"مقال نشر العام 2004 أثناء تواجد الكاتب في إيران"

http://www.iraqcenter.net/vb/8708.html