احتضار الخمينية, إلى ماذا سينتهي صراع المحافظين والإصلاحيين في ايران ؟

12/03/2010 15:13

احتضار الخمينية

إلى ماذا سينتهي صراع المحافظين والإصلاحيين في ايران ؟

 

بقلم نجاح محمد علي

تاريخ النشر: الجمعة 04 ديسمبر 2009 تم التحديث: الاثنين 14 ديسمبر 2009

أكثر من خمسة أ شهر مضت منذ اندلاع أزمة انتخابات الرئاسة في الجمهورية الإسلامية، ولاتبدو في الأفق أي بوادر لحل توافقي.

الأزمة تتفاقم يومًا بعد آخر،تاركة بصماتها القوية على هيبة النظام، و سياساته الخارجية، ومايطمح له من لعب دور مؤثر إقليميًا ودوليًا ،وأخرت الانتقادات القوية التي وجهها الزعيم الإصلاحي مير حسين موسوي لما أسماه " تنازلات أحمدي نجاد عن الكرامة والحقوق الوطنية"،  في التوصل إلى حل بين إيران والغرب حول الملف النووي خصوصا فيما يتعلق بمبادلة اليورانيوم منخفض التخصيب بوقود نووي  يستخدم للأغراض السلمية، عندما تدخل الولي الفقيه آية الله علي خامنئي في اللحظة الأخيرة رافضًا إتمام " الصفقة " بالشروط الغربية!

التغيير مُقابل التغيير

وبغض النظر عن نتائجها، فإن الانتخابات الرئاسية  الأخيرة في 12 يونيو/ حزيران الماضي،، أثارت الكثير من الأسئلة حول مشروعية نظام  ولاية الفقيه ، الذي يرى خصومه أنه فقد،  قبل ذلك جزءا كبيرا منها، بتخلِّـيه عن الكثير من "ثوابت" الجمهورية الإسلامية وأصولها،  من أهمّـها احترام حقوق القوميات والأقليات، كما نصّـت على ذلك بُـنودٌ واضحة من الدستور

والانتخابات الإيرانية، كما أبرزتها  الحملة الانتخابية للمرشحين الأربعة،  أحمدي نجاد و حسين موسوي و مهدي كروبي و محسن رضائي، أعادت  " حلقة " الارتباط  بين  الشعب الإيراني أو على الأقل من شارك فيها ، ونظام قائم أصلا على أساس نظرية حكومة ولاية الفقيه، قبل أن يتم تزويرها.

ورغم أن شريحة كبيرة جدّا من جيل الشبان الذين لم يُـصوِّتوا على استفتاء "نعم أو لا" الذي أجري يوم 12 أبريل/نيسان عام 1980 لاختيار شكل النظام، لأنهم لم يكونوا قد  وُلِـدوا بعدُ أو كانوا أقل من السنّ القانونية وقتها، يعتقدون أن لهم الحق في اختيار شكل جديد للنظام، ربما يتجاوز القواعد الأساسية للجمهورية الإسلامية، كما تبيّـن ذلك خلال دورتين رئاسيتيْـن للرئيس الإصلاحي سيد محمد خاتمي إلا أن مجرد  ذهاب الناخب   في إيران 

 إلى صندوق ا لاقتراع، جعله يوقِّـع مرّة أخرى على صكِّ الاعتراف بنظام ولاية الفقيه، الذي أرساه الإمام الخميني الراحل.

مقبولية النظام

وقد تعرضت مشروعية نظام الجمهورية الإسلامية  في السنوات الماضية، خصوصا بعد وفاة مؤسسه في يونيو/حزيران عام 1989 للكثير من القدح والتجريح في نتائج انتخابات الرئاسة التي جاءت بالرئيس السابق محمد خاتمي إلى سدّة الحكم، من واقع أن انتخابه مثّل يومذاك، تحدٍ له مغزى لنفوذ كبار المرجعيات الدينية، وفي مقدمتهم الولي الفقيه آية الله سيد علي خامنئي، الذين وقفوا – مباشرة أو بالواسطة - خلف المرشح الآخر علي أكبر ناطق نوري،لكن على عكس ما أرادت المرجعيات نجح خاتمي مما طرح - على الأقل – تساؤلات عن مشروعية نظام الجمهور الإسلامية ، ذلك أن انتخاب خاتمي من قبل جيل الشبان الذين أعرضوا عن الاستجابة لنداءات مراجع الدِّين ولم يُـصوِّتوا لصالح ناطق نوري، كشف للجميع ان هؤلاء الشباب لديهم تحفُّـظ على مشروعية النظام، غير أنهم يقبلونه، ولهذا، فهُـم يذهبون كلّ مرّة إلى صناديق الاقتراع ويطمحون إلى التغيير!.

وبشكل عام  لم  يشك أحد في أن الانتخابات الرئاسية الإيرانية كانت تشكِّـل فرصة مهمّـة لإحداث تغييرات كبيرة في إيران بعد انتخاب  باراك أوباما رئيسا لأمريكا، والتحولات التي جرت في العراق وأفغانستان، وتأثيراتها على حركة إيران الإقليمية.

وكان تنوع " المرشحين الأربعة" قوميا، مؤشرًا إلى إمكانية أن تشهد المسألة القومية  حلا في إطار الدستور نفسه وليس خارجه، وأهمية أن تُدار المحافظات (الولايات) بسلطات أكثر استقلالية عن مركزية العاصمة، قبل أن يُـضطرّ النظام في النهاية إلى مواجهة استحقاق "الاستقلال"، وهي كلمة ملطّـفة لـ "الانفصال"، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار أن مُـعظم سكان القوميات في إيران لا يطالبون (حاليا بأكثر من الإنصاف، - وربما أقل - عندما ننظر مثلا إلى مطالب رفعها زعماء عرب وأكراد في السابق، حثّـوا الحكومة على "تخصيص 1% فقط من عوائد النفط والغاز التي توجد معظم حقولها في خوزستان)، لفائدة سكان الأقاليم المحرومة"، ناهيك عن تطبيق مواد الدستور 15 و19 حول الحقوق القومية.

واللافت، أن المرشحين الأربعة، الذين سمح لهم مجلس صيانة الدستور بخوض سباق الانتخابات، عدا أحمدي نجاد، تناولوا هذه المسألة باهتمام واضح، خاصة مهدي كروبي، الذي تميّـز عن منافسيه في أن كلامه جاء أكثر جُـرأة عندما طالب بتعديل الدستور ومنح حكام المحافظات سلطات أكبر وبانتخابهم عبر الاقتراع المباشر لا عن طريق التعيين.

وفسر البعض هذه الجرأة من كروبي بأنه "لوري" وفسرها آخرون بحرص  كروبي اللوري على مغازلة الشعور القومي،  بدرجة فاقت حتى  محسن رضائي البختياري، الذي وجد نفسه في مقاربة مع المسألة القومية، رغم أنه كان في طليعة المؤيِّـدين للتعامل معها من الزاوية الأمنية، عندما كان قائدا للحرس الثوري وقت الحرب مع العراق (1980 – 1988)

وأما مير حسين موسوي، فإنه وعَـد بمنح غير الفُـرس حقّ استخدام لُـغتهم، كما وعد ببناء مساجد للسُـنّة... في طهران العاصمة!.

ديمقراطية مقنّـنة!

وإذا كان مجلس صِـيانة الدستور قد رفض الشروط التي عدّلها مجلس الشورى للحدّ من عدد المرشحين للانتخابات الرئاسية ورأى فيها "مخالفة للدستور"، فإن المجلس المكوّن من ستة فقهاء يعيِّـنهم الولي الفقيه، ومثلهم من القانونيين يختارهم مجلس الشورى، والمكلف بالمصادقة على قرارات الشورى وتفسير الدستور والموافقة على الترشيح لأي انتخابات والمصادقة على نتائجها أو صحّـتها، فإنه أبقى على الشروط التي لا تسمح لسنّي أو حتى شيعي زيدي أو إسماعيلي وغيرهم، أن يصبح رئيسا للجمهورية. فالدستور يوجب أن يكون المرشح إيرانيا مؤمنا بالجمهورية الإسلامية، والأهم من كل ذلك أن يكون شيعيا إثني عشريا،و لا يعترض على أن يكون المرشح عربيا أو كرديا أو بلوشيا أومن قوميات أخرى غير فارسية.

المسألة القومية.. أمنيًا

في إيران، يتعايش الأكراد والعرب والفرس والتركمان والآذريون والبلوش في دولة واحدة، فقد استطاع الشاه المخلوع أن يوحِّـدهم بالحديد والنار، وألفت بينهم الجمهورية الإسلامية بواسطة الدِّين والمذهب.

وهناك من يعتقد أيضا أن البختياريين واللور والمازندرانين والغيلانيين وغيرهم،يشكلون قوميات بحد ذاتها، لاختلاف لغتهم عن الفارسية.

وفي ظل هذا الواقع، ومع انحسار أو ضعف التمسك بالدِّين والقِـيم الدينية، يعتقد مراقبون للأوضاع في إيران أنها تبدو اليوم معرّضة للتفكيك والتمزّق والتشرذم، إلى دُويلات، ما لم تعمد السلطات الممسكة بدواليب الحكم وبسرعة إلى تطبيق بنود الدستور فيما يتعلق بحقوق القوميات والأقليات، وتتجنّـب التعاطي مع هذه المسألة الخطيرة من منطلقات محض أمنية، كما فعلت في السابق وتفعل الآن.

ففي زاهدان مثلا، وكذلك في الأهواز، حصلت أخيرًا بعض الوقائع، وهي بالتأكيد نُـسخ مكررة لأحداث شهدتها في أوقات مختلفة محافظة سيستان وبلوشستان، ذات الغالبية السُـنية، ومحافظة خوزستان ومركزها الأهواز، ويسميها المطالبون بالانفصال "عربستان أو الأهواز".

بين "الجمهورية" و"الإسلامية"

لقد انتهت الانتخابات ، وأعلن زعماء الإصلاح رفضهم لنتائجها، وكذلك معظم الصحفيين الأجانب الذين سمح لهم بتغطية  الحملة الانتخابية، وهم يشاهدون صفوفا طويلة من الإيرانيين، بدا منهم الشبان بشاراتهم الخضراء  رافعين شعار التغيير. و شاهد العالم تصرفات هذا الشعب في انتخابات رسمت - كما في كل الانتخابات الإيرانية على مرّ العقود الثلاثة الماضية - حِـراكه وجديته في التعاطي مع القضايا التي تقرّر مصيره.

وعندما كان  الشباب الذين يقدر عددهم بأكثر من 15 مليون ناخب، يشكلِّـون ثلثي الـ 46 مليون إيراني  الذين يحِـق لهم الاقتراع، يتوجّـهون نحو المراكز الانتخابية، كان لِـزاما أن يرى العالم فرحهم وحبّـهم للحياة وهم يحتفلون بالعودة مجدّدا إلى ما يمكن اعتباره المُثل المؤسسة لنظام "الجمهورية الإسلامية" وأهداف دستورها، بعد أن عمِـلت فيهم سياسة  أحمدي نجاد، جُرحا يكاد يُـنهي صِـلتهم بالنظام القائم.

لقد فقد معظم الشبّـان في إيران ثقتهم بـ "الجمهورية الإسلامية" خلال السنوات الماضية التي أعقبت مجيء الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، خصوصا في ذِروة الصِّـراع بين "روحانيت مبارز" و"روحانيون مبارز"، عندما كان علماء الدِّين من هذا التيار أو ذاك يتراشقون بالتُّـهم وبالفضائح، لتضعف علاقة الشبان، وبشكل خاص الطلاّب في الجامعات، بطبقة علماء الدِّين بعد أن أعاد انتخاب خاتمي عام 1997 شيئا من الرّوح إلى هذه العلاقة المتوتِّـرة على الدّوام، اللّـهمّ إلا في فترة الثورة التي أطاحت بالشاه محمد رضا بهلوي وحتى رحيل الإمام الخميني في يونيو/حزيران 1989.

وليس سِـرا القول إن المناظرات التي بثها التليفزيون ، لأول مرة بين المرشحين الأربعة والأسلوب الذي استخدمه  أحمدي نجاد "لإحراج منافسيه"، كان بالنسبة للكثير من الشباب الإيراني، بمثابة القشّـة التي قصمت ظهر البعير.

فأحمدي نجاد، الذي يوصف من قِـبل أنصاره و المروِّجين له، بأنه استخدم خطابا "شعبويا" لملامسة قلوب فقراء إيران، لم يرَ فيه معظم الشباب الذي صوّت لصالح المرشح المنافس مير حسين موسوي، إلا واحدا ممن لا يتورعون عن التفوّه بأي كلام ضدّ مَـن يعتقدون أنه عدوّ لهم. بل لقد ذهب أحمدي نجاد إلى أبعد من "الليّـاقة الشعبوية"، حين أخذ يكيل الاتهامات يمينا ويسارا لأقطاب النظام وأركان الثورة، ولكل حقبة الإمام الخميني الرّاحل وما فيها من منجزات، أهمها أن الذين أتّـهمهم بالفساد، هم مَـن حفظوا  نظام الجمهورية من السّقوط في زمن الحرب العراقية الإيرانية وما رافقها من مؤامرات "شرقية وغربية"، خصوصا حين تعلّـق الأمر بزوجة مير حسين موسوي، السيدة زهراء رهنورد، ومحاولة إسقاط نظرة الشعب المفعمة بالإيجابية إلى رئيس وزراء زمن الحرب "موسوي" عن طريق توزيع صورة لزوجة موسوي من دون حجاب، وكانت مجرّد صبيّـة، قبل أن تلتزم بالدِّين وبالثورة التي انضمّـت إليها قبل انتصارها، حين كان خصومها في وادٍ آخر مشغولين بالدِّراسة... هذا ما يردِّده معظم الذين فقدوا الثّـقة بأحمدي نجاد ووصفوه في شعاراتهم بـ "الكذّاب"!.

وفيما أدت المناظرات التليفزيونية غير المسبوقة في إيران بين المرشحين للرئاسة إلى وضع جميع زعماء الثورة والنظام، من مُعمّـمين وغيرهم، في دائرة الشكّ، نجح مير حسين موسوي في لفت أنظار جيل الشباب، حتى أولئك الذين لم يسمعوا باسمه، أو لم يُولدوا بعدُ حين كان هو بعيدا عن دائرة الضوء لنحو عشرين عاما.. والسبب كما يراه الخبراء أن التاريخ لابُـد أن يترك صدَاه لدى جِـيل الثورة الثالث .

رئيسان!

   لقد تأكد الجميع أن نتائج الانتخابات تم تزويرها لصالح أحمدي نجاد بعد أن كانت نتيجتها فوزا ساحقا لمير حسين موسوي، وكان أكبر دليل على هذا التزوير هي طوابير المقترعين من الموجة الخضراء وما لديهم من علامات تميِّـزهم، سواء في طهران أو في المُـدن  والقرى الإيرانية الأخرى حتى التي وزّع فيها أنصار أحمدي نجاد مبالغ لكل من يصوِّت لرئيسهم، فقد كانت هذه الطوابير تشكِّـل مجسات حقيقية لحجم التأييد الذي حصل عليه موسوي على عكس النتائج المزورة.

ولم يكن التلاعب مقصورا على النتائج فقط. فقبل الاقتراع، اضطر المسئولون في الحملة الانتخابية لموسوي إلى توجيه نداء إلى الناخبين بأن يصطحِـبوا معهم أقلامهم لاستخدامها بدلا من الأقلام المتوفرة في مراكز الاقتراع بعد ورود معلومات "أيّـدها في وقت لاحق رئيس الرقابة في وزارة الداخلية"، بأن حِـبرها يُـمْـحـى بعد مرور عشر دقائق..

ورغم كل ذلك كان واضحا تماما فوز موسوي بأغلبية الأصوات من مجرّد إلقاء نظرة على جموع المقترعين المليونية، التي تحمل أقلامها وتضع الشال الأخضر أو رباط المعصم الأخضر، وهو ما دفع الصحفيين الذين يُـراسلون وسائل إعلام غير رسمية، إلى التأكيد بأن تزويرا حصل عندما أعلن عن فوز أحمدي نجاد الساحق، خصوصا في مسقط رأس منافسيه الثلاثة.

وبعد حصول هذا الخَـرق الواضح لكل معايير الديمقراطية الانتخابية في إيران، أعلن موسوي نفسه رئيسا للشعب، بدلا من أحمدي نجاد، رئيس السلطة والقوة العسكرية والمال في إيران، وها هو اليوم يقود نهضة داخل النظام ملتزما بأسسه الدستورية وبكل تفاصيل نظام ولاية الفقيه، برغم كل القمع الوحشي الذي يتعرّض له أنصاره من الشبان ، والصوَّر والتسجيلات الحية التي تُـظهر الاعتداء حتى على الفتيات بالضّـرب حتى الموت.

انقلاب على الشرعية!

لم يكن ما حدث "ثورة ناعمة" أو كما عبّـر عنها قبل يوم الانتخابات يد الله جواني، رئيس المكتب السياسي في الحرس الثوري، مهدِّدا وبوضوح بقوله "أي نوع للثورة المخملية، لن يكون ناجحا في إيران"، وهي أيضا ليست "انقلابا" على النظام، مثلما وصف غيره من قادة الحرس الذين باتوا اليوم ممسكين بكل تفاصيل السلطة  ، بل هي مثلما يؤكد العارفون بدهاليز وأروقة وتضاريس السياسة في إيران، ثورة داخل الثورة الإسلامية نفسها وصراع بين أنصار "الجمهورية الإسلامية" بكل ما تحويه من مؤسسات وآلية انتخاب، وبين دُعاة تحويلها إلى "حكومة إسلامية"، وهو ما قاله وبكل وضوح يوم الثلاثاء 16 يونيو/حزيران المرجع الدِّيني في قُـم آية الله أسد الله بيات في رسالته الجوابية إلى موسوي، الذي دعا المَـراجِـع الدينية إلى "التدخّـل لإعادة الانتخابات وإنقاذ البلاد من خطر محدق يهدِّد أسُـس النظام، الذي أرساه الإمام الخميني".

هنا يجدر التذكير بأن آية الله الخميني هو من أيّـد فكرة الاستفتاء على "الجمهورية الإسلامية" في 12 أبريل/نيسان 1980 ورفض إضافة أو حذف أي كلمة أخرى لاسم النظام وشكله السياسي بقوله المعروف "نه كمتر نه بيشتر"، أي لا أقل ولا أكثر، كما أكّـد طوال ولايته الفقهية المراقبة للنظام حقّ الشعب في الانتخاب وفي تأسيس مؤسسات دستورية تتلاءم مع العصر ومتطلّـباته. وحصل في ذلك الوقت خلاف بين مدرستين، الأولى قادها السيد الخميني، والثانية رافضة تماما لفكرة قيام "حكومة إسلامية" في زمن غيبة الإمام المهدي الغائب، مرجّـحين الانتظار "لكي يظهر ويملأ الأرض قِـسطا وعدلا، بعدما ملئت ظُـلما وجورا".

وظهرت في تلك الفترة أيضا منظمة "فرقان" تشكلت من مجموعة من المعمِّـمين، نفّـذت اغتيالات لرموز مدرسة الخميني، سقط فيها منظِّـرون كبار، مثل آية الله محمد مفتح وآية الله مرتضى مطهري، وكان اسم هاشمي رفسنجاني على القائمة، حيث جرت أيضا محاولة لاغتياله داخل منزله، نجا منها بسبب اندفاع زوجته لإنقاذه.

وكان واضحا أن الذين آمنوا بتلك الفكرة من رجال الحوْزة الدِّينية، من أمثال أكبر گودرزی الذي قاد منظمة الفرقان بتوجيه من شخصيات فكرية، لم يُكشف النقاب عنها رسميا، حفاظا على اسم وسُـمعة علماء الدِّين، باقون في البلاد حتى بعد إعدام أكبر گودرزی.. وبعضهم لا يعتقد بأن اكبر گودرزی مات بالفعل، ولديهم تنظيم سرّي باسم "أصحاب الكهْـف"، وهم يعملون على تفكيك المؤسسة الدِّينية بأي طريقة ويعتقدون أنها أساس باطل، ويخدمهم جدّا الصِّـراع بين تياري "الجمهورية" و"الحكومية"، داخل هذه المؤسسة العريقة في قُـم..

هناك أيضا "الحجتية"، التي حظيت بدعم بعض المراجِـع الدِّينيين في النجف وفي قُـم (الخوئي والبروجردي)، لأنها أُسِّـست لمواجهة "البهائية"، ولكنها كانت على غير توافق مع السيد الخميني، لكن رجال هذا التيار من تلاميذ محمود حلبي، وخصوصا من مقلِّـدي الإمام الخوئي، نجحوا في التسلّـل "في وضح النهار إلى نظام الجمهورية الإسلامية وحصل الكثير منهم على مواقع قيادية في النظام"..

ومن هنا، فإن أصل الخلاف بين مدرستَـيْ السيد الخميني وأولئك الذين تسلّـقوا جدار الثورة والنظام بعد عام 1980، أكثر من بَـيّن من واقع أن اليمين الدِّيني المتشدِّد الذي يمثله اليوم "حزب المؤتلفة الإسلامي"، وهو من أكبر الدّاعمين لأحمدي نجاد، بحث بعد انتخاب محمد خاتمي عام 1997، فكرة إلغاء منصب الرئيس بل اقترح أن تُـلغى الانتخابات الرئاسية أصلا وأن يعيِّـن الولي الفقيه (أي مرشد الثورة آية الله علي خامنئي) رئيسا للوزراء، و يُطرح على مجلس الشورى للحصول على ثقته..

كذلك فان الجدل الذي شهده آخر اجتماع لمجلس الخبراء برئاسة هاشمي رفسنجاني، أكد حقيقة يجهلها الكثيرون وهي أن التيار المسيطر الآن على السلطة، ويقف خلفه أيضا آية الله محمد مصباح يزدي، يؤمن بأن الولي الفقيه يكتشف ولاينتخب، وأن أعضاء مجلس الخبراء ليس لهم أن يحاسبوه أو يقيلوه لأن شرعيته من الله عبر نيابته الخاصة للامام المهدي، بينما يرى رفسنجاني وباقي مدرسة الامام الخميني أن الولي الفقيه ينتخب وأن مشروعيته تحدد بمدى التفاف الشعب حوله..

ليسوا إصلاحيين وليسوا محافظين!

وفي هذا السياق، يجب التمييز هنا في المصطلحات التي صارت تُـطلق بين إصلاحيين ومحافظين. فالصراع هو بين من يُـسمُّـون أنفسهم أتباع نهج الإمام الخميني(الإصلاحيين)، والمبدئِـيين الأصوليين، كما يسمُّـون أنفسهم، وهم خليط من المنتقدين ومن أنصار المحافظ محمود أحمدي نجاد.

ولعل أهمّ ما يُفاقم الأزمة، أن قوات الأمن تظهر تشدّدا واضحًا على طريقة (طالبان شيعية)، إزاء من كانوا إلى وقت قريب يحكُـمون البلاد، بعضهم كان أقرب إلى الإمام الخميني الراحل وكان له دور بارز في مُـجمل التطورات في إيران، قبل اندلاع الثورة الإسلامية وبعد انتصارها.

وقد تجاوز الصِّـراع بين المعسكريْـن كل الأطُـر السابقة التي كانت تدور داخل المؤسسة الرسمية، وكان واضحًا أن الحرس الثوري، وهو متَّـهم أساسًا بالعمل لصالح أحمدي نجاد، خلافاً للدستور وتوصيات خامنئي، هو مَـن يدير معسكر أحمدي نجاد.

وهو صراع متجذر  ومرشح للتفاقم  إذا ما وصلت الجهود التي يبذلها البعض (وخاصة هاشمي رفسنجاني) من أجل التوصل إلى تسوية سلمية بين طرفي النزاع إلى طريق مسدود، وقد يُـفتح الباب على مصراعيْـه في أزمة، أخطر ما فيها أنها وضعت كلاّ من رفسنجاني والولي الفقيه آية الله علي خامنئي على طرفيْ معادلة صعبة بعد أن سارع خامنئي إلى تأييد نتائج الانتخابات، حتى قبل أن يبتّ فيها مجلس صيانة الدستور، وتجاهل خامنئي رسالة رفسنجاني، التي ذكره فيها بالكثير من رفَـقة الدّرب الطويل، قبل الثورة الإسلامية وبعدها، مع ملاحظة أن رفسنجاني ومعه مير حسين موسوي ومحمد خاتمي والكثير من مراجع قُـم وفي مقدمتهم خامنئي ، كانوا تلامذة الخُـميني المقرّبين.. وإن  كان خامنئي ، لم يكُـن يستسيغ موسوي كثيرا، حتي عندما كان هو رئيسا للبلاد، وكان مير حسين رئيس وزرائه..

ومع محاولة خامنئي في بعض  تصريحاته تبرئة أنصار موسوي، مما يسميها "حوادث الشّـغب" والاعتداء على الأموال العامة، وهي أعمال تؤكِّـد الصوَّر الملتقطة أن "ذوي الملابس المدنية" – وهم "البسيج"، أي عناصر التعبئة المُـنتشرين بهراواتهم والسكاكين والأسلحة الخفيفة - يقومون بها لتشويه المظاهرات السلمية، فإن قتل المتظاهرين والاعتداء على الفتيات أيضا في "الجمهورية الإسلامية" لن يتوقف قريبا حسبما يبدو، والحجّـة المقدمة دائما: "حفظ النظام"، أي "الحكومة الإسلامية" ولو بسرقة أصوات الناخبين!.

رفسنجاني.. إلى متى؟

مير حسين موسوي الذي وصفه المرجع آية الله يوسف صانعي بأنه "ابن مؤسس الجمهورية الاسلامية البار"، حظي بدعم كبير من طرف رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، هاشمي رفسنجاني، ومن مرجعيات دينية معروفة اعتبرت ما جرى "انحرافا خطيرا عن نهج آية الله الخميني، والقواعد الأساسية لنظام الجمهورية الإسلامية"..

وبدا واضحا أن موسوي أخذ يتعاطى هذه الأزمة بروح قيادية حيث إنه يتوجه بالخطاب إلى الشعب الإيراني وليس إلى أنصاره فقط، بل إنه سمىّ قتلى المواجهات من الشبان، بالشهداء داعيا الشعب الإيراني إلى التضامن مع أسرهم وأسر المصابين بأي طريقة كانت في يوم حداد وطني دعا إلى تنظيمه يوم الخميس 18 يونيو/حزيران.

وبات واضحا من التطورات الأخيرة أن غلاة المحافظين ما عادوا يتحملون رفسنجاني أيضا، وهو الذي كان تعرض في الانتخابات الرئاسية قبل الأخيرة (2005) إلى حملة دعاية مضادة قوية قادها ضده نافذون في الحرس الثوري وفي قوات التعبئة، لتمهيد الطريق أمام أحمدي نجاد.. وقد تكرر شن هذه الحملة في انتخابات 12 يونيو/حزيران، ولم تتوقف حتى بعد أن أصبح أحمدي نجاد رئيسا لولاية ثانية..

ويرى عارفون أن بامكان رفسنجاني أن يفعل الكثير لمواجهة أحمدي نجاد والجهات التي تؤيده ولكن من الواضح أنه - مع الرئيس السابق محمد خاتمي ومير حسين موسوي وكل رموز وفعاليات تيار نهج الخميني - يظلون يعملون داخل أطر الشرعية الاسلامية، ولايخرجون عنها ولايفكرون إلا بالنظام الذي شاركوا في تأسيسه..

فرفسنجاني وهو أيضا رئيس مجلس الخبراء، مسئول عن تعيين المرشد الأعلى للثورة الإسلامية (الولي الفقيه)، وله أيضا (أي للمجلس) أن يُقيل المرشد إذا فقد واحدة من الشروط ...ولكنه  يواجه اليوم محاولات إقصائه عن رئاسة مجلس الخبراء ومجمع تشخيص مصلحة النظام، بعد إقصائه وبطرق مختلفة عن إمامة الجمعة في طهران.

الخامنئية والخمينية!

 حذر الرئيس السابق محمد خاتمي وكذلك فعل مراجع الدين الذين كانوا محيطين بالإمام الخميني، من تيار يعمل في ايران لإقصاء تلامذة الخميني ونهجه، وحذفهم نهائيا، وهذا ما ركزت عليه المحاكمات، والدعوات المكثفة لاعتقال من أسموهم بـ " رؤوس الفتنة" ..خاتمي وموسوي وكروبي ...

وبدا واضحا تماما  أن تصفية تلاميذ الإمام الراحل بطريقة تجعل من الممكن تصوّر أن هناك في إيران من لا يريد لما يُعرف بـ "خـط الإمام" أن يستمِـر، خصوصا في أسلوب الحكم وتفاصيله، ومع اصطفاف قادة الثورة ورموزها الكبار، الذين كانوا قُـرب الإمام حتى وفاته في يونيو/حزيران 1989، خلف من أصبحوا يُـعرفون بزعماء الإصلاح، ووجود "تيار مشبوه" كان منبوذا ومطرودا، أو كان مجهولا في فترة حكم الخميني (1979 - 1989)، وتسلّـق جدار الثورة لكي يطعن فيها بعد أن التحق بالرفيق الأعلى..

وقد أصبح لتكرار تصريحات  رجال مثل آية الله يوسف صانعي والرئيس خاتمي وحتى رفسنجاني ، دلالة واضحة عن هذا التمييز الذي أخذ الإصلاحيون يجهرون به في الداخل - لأول مرة - وهم يحذِّرون من "التيار المشبوه" في الجمهورية الإسلامية.. تيار قالوا ، إنه "يعمل على تقويض النظام في الداخل ويشوه صورته، ليظهره عنيفا قاسيا ظالما في الخارج".

و برز لأول مرّة في خطاب الكثير من الإصلاحيين ، التمييز أيضا بين "حواريي الإمام الخميني" و"أنصار خامنئي"، وكأن الصراع داخل الجمهورية الإسلامية تحوّل من نزاع واعتراض على نتائج الانتخابات الرئاسية، إلى صراع بين نهجيْـن، الأول، مقدّس من خلال استعارة كلمة "حواريين"، بما لديها من دلالة ارتباط بالمقدس، وهو السيد المسيح وسلوكه السِّـلمي الرافض للعنف بكل أشكاله. والثاني، ما يمكن أن يُـطلق عليه بالحاكم المستبِـد الذي تبعه أنصاره المستفيدون من استبداده، أو هم الذين يدفعون به ليختار طريق الاستبداد الدِّيني والقمْـع في مواجهة حركة اعتراض عادية، تحصل في كل الدول، ولم يُشهر أتباعها الحواريون سيوفهم بوجه النظام..

لو كان الخميني حاضرًا!

الزعيم الإصلاحي مهدي كروبي، الذي يطلق عليه في إيران "شيخ الإصلاحات"، قال أخيرا وهو يتحدّى اعتقاله إن الإمام الخميني لو كان حاضرا، لألغى الانتخابات.. ربّـما هو مجرد تمنّ أو استشراف أو رجوع إلى قواعد أرساها الإمام، الذي كانت محاضراته حول "ولاية الفقيه" في النجف الأشرف، بمثابة دروس قبل الاجتهاد لطلاّب "الخارج"، وهي أعلى مرحلة في الحَـوزة العِـلمية قبل بُـلوغ مرتبة الاجتهاد في المذهب الشيعي..

والخميني انتقَـد في حياته وعلى الهواء، عندما كان يقود الجمهورية الإسلامية، تفسير "الرئيس" (آنذاك)خامنئي حول فهمه لصلاحية الولي الفقيه، كما أُخذ على خامنئي بعد أن أصبح الولي الفقيه، تدخلُهُ في المسائل التفصيلية للحكومة، وهي ليست من صلاحيات القائد، بل من مسئولية رئيس الجمهورية. كما أن المرجع حسين علي منتظري، الذي وضع كتابا تفصيليا عن ولاية الفقيه قام بتحديد واجبات الولي الفقيه خامنئي (الذي لم يكن - بالمناسبة - راغباً في القيادة، حتى أن أعضاء مجلس الخبراء عقدوا جلسة بعد وفاة الخميني، لم يتوصّـلوا خلالها إلى خليفة له، لكن رفسنجاني أشار عليهم بكلمة سُمعت - حسبما يبدو - من الخميني، وهي أن القيادة من بعده تليق بخامنئي، وهي أول مخالفة لوصية الإمام في رفض الاحتكام إلى كلام مسموع منه، دون أن يكون مسجّـلا بصوته ويؤيِّـده خبراء الصوت).

وإذا كان الإمام الخميني الراحل يمتلك الشرعية الثورية، باعتباره مرجعا دينيا اختاره الإيرانيون وقاد الحركة الشعبية ضد الشاه منذ انتفاضة "خرداد" عام 1963 وحتى الانتصار في فبراير/شباط 1979، فإن السيد خامنئي لم يُـمارس القيادة بفعلها الواضح، حتى بعد أن أصبح رئيسا للبلاد مع رئيس وزراء قوي، هو مير حسين موسوي، كان الخميني يؤيِّـده في كل خلاف مع الرئيس وأصبح مرجِـعا بعد أن تولّـى مهام القيادة وتميز عهده بالتدخل في تفصيلات الحُـكم، كما فعل مع قانون الصحافة أثناء رئاسة محمد خاتمي، وما حصل في الإنتخابات الرئاسية حين أيّـد صحة الانتخابات قبل أن ينتهي منها مجلس صيانة الدستور..

خامنئي تعامل خلال قيادته الدِّينية لإيران مع رئيس قوي هو هاشمي رفسنجاني، جعل النظام يُـجري تعديلا دستوريا لصالحه حيث تم دمج رئاسة الوزراء بالرئاسة لتعزيز صلاحيات الرئاسة، التي كانت رمزية في عهد خامنئي.. وعاشر أيضا الرئيس محمد خاتمي الذي كان (يتعامل معه) كمعارض داخل النظام، لا بصفته رئيسا انتُـخب بأغلبية غير معهودة من الأصوات، في مقابل مرشح خسر المنافسة رغم دعمه من طرف المرجعية الدينية ومؤسسة ولاية الفقيه..

وبينما كانت شخصيات دينية معروفة مستبعدة أو حتى مطرودة ومنبوذة في عهد الخميني، خاصة أتباع ومريدي مدرسة "الحجتية"، التي لا تؤمن أبدا بقيام دولة دينية في زمن الغيبة، فإنها عادت وتسلّـقت جدار النظام وسيطرت على الكثير من "شرعيته" الثورية، وقامت بقصّ أجنحة الإمام، ووصل الأمر إلى اعتقال علي رضا بهشتي وانتهاك حرمة أسرته، وهو نجل آية الله محمد حسين بهشتي، المفكِّـر وأول رئيس لقضاء الجمهورية الإسلامية، والإساءة المباشرة لحفيد الإمام الخميني حسن واتهامه بالخيانة، وهو الذي قاطع مراسِـم تنصيب محمود أحمدي نجاد رئيسا لولاية ثانية، ولم يحضر معه تواجده عند ضريح جدّه، وهو تقليد دأب عليه سابقا..

والأخطر في كل ذلك، هو أن الخميني لم يكن يفرِّط بأبنائه، وهو الذي أوجد مجمع تشخيص مصلحة النظام - خارج الدستور - للفصل بين اليسار الدِّيني المُـسيطر يومذاك على مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور، بهيمنة اليمين الديني (حيث لا إصلاحيون آنذاك ولا محافظون)، كي لا يبقى النظام أسير أزمة تشريعية بين البرلمان، الذي كان يسن قوانين يرفضها مجلس صيانة الدستور بحجّـة أنها غير متطابقة مع الإسلام أو مع الدستور..

وأيد الخميني انشقاق اليسار واليمين الدِّينييْـن، وكانوا واحدا في "جامعة روحانيت مبارز" وولادة "مجمع روحانيون مبارز"، ودعمه ماليا ليشكل نفسه جيدا ولم يقف إلى جانب، عدا تأييده الواضح لما كان يصفه بالإسلام المحمدي الأصيل، مقابل الإسلام المتحجر، الذي كان سِـمة "المحافظين الحاليين"..

وليس هذا وحسب، بل إن الإمام الخميني ترك للمتخصِّـصين وللمسئولين، تقدير استمرار الحرب أو وقفها بعد استعادة (خرمشهر) من العراق في مايو/آيار 1982، فاختاروا المُـضي فيها وكان هو مع قبول وقف الحرب، وتجرّع من أجلهم السمّ ووافق على القرار 598 عام 1988، عندما وجد المسئولون أنفسهم في مأزق، أنقذهم منه الخميني بماء وجهه..

ولقد كان بإمكان خامنئي أن يُـلغي نتائج الانتخابات على قاعدة أن مجلس صيانة الدستور ليس مؤهلا للحكم بعدالة، وتبين ذلك: منذ الأيام الأولى للحملة الانتخابية وتورط 7 من 12، ومنهم رئيس مجلس صيانة الدستور آية الله أحمد جنتي في الدعاية لصالح أحمدي نجاد. وأيضا بعد الحوادث التي تلت الإنتخابات وتورط أعضاء في المجلس، ومنهم أيضا أحمد جنتي في الدّعوة إلى اعتقال المرشحين المعترضين مير حسين موسوي ومهدي كروبي، لأن مثل هذه الدعوة لا تدخل في صلاحيات المجلس، ما يؤكد أن لديه موقِـفا مسبقا ضدّهما..

وحتى في ما يُـسمى بالثورة المخملية وما بعدها الثورة الناعمة، التي تبنّـاها خامنئي واعتقد بوجودها ضد النظام، فإن مجرد إعلان قادة الحرس الثوري أنهم كانوا يرصدون عناصر الثورة على النظام ولديهم أدلة على ذلك، يجعل من الانتخابات الماضية باطلة، قانونا وعقلا، لأن الأمر لو كان صحيحا، فهذا يعني أن الحرس الثوري رصد "المؤامرة"، وخوفا على الثورة، نزل إلى الساحة وشارك في الانقلاب على الانتخابات.. فلو كان الإمام الخميني موجودا، لما سمح منذ البداية بتدخّـل الحرس الثوري في السياسة وفي الانحياز لهذا المرشح أو ذاك.. ولمّـا اضطر إلى التلويح باستخدام القوّة مجدّدا، كما فعل خامنئي  وهو يتوعد  قائلا: "آخر الدواء الكي"...

"حكومة خضراء"

ومهما يكن من أمر فإن الإيرانيين الرافضين لنتائج الانتخابات، يواصلون الاحتجاج من خلال مظاهرات ينظمونها كل يوم داخل الجامعات، ويستثمرون أي مناسبة دينية ووطنية للخروج الى الشارع " ومايكلف ذلك النظام" ، كماحصل في مظاهرات " يوم القدس" في آخر جمعة من شهر رمضان،ومظاهرات الرابع من نوفمبر/تشرين ثانٍ ذكرى احتلال السفارة الأمريكية التي رفعت سقف التحدي برغم أن صحيفة  "كيهان" المتشددة رأت  أن الاعتقالات في صفوف القيادات الطلابية  خلال المظاهرات كانت هي الأكثر تأثيرا في الحركة الإصلاحية، لكن مواقع الإصلاحيين شددت على أن هذه الاعتقالات لا تزيدهم الا إصرارًا على مواصلة الاحتجاجات في المناسبات المقبلة، وهم بدأوا يعبئون لمظاهرات جديدة في يوم الطالب، بعد أقل من  شهر ً.

ويرى الإصلاحيون أن حجم المشاركة في المظاهرات الأخيرة، وطريقة تحدي المتظاهرين أساليب القمع، وشعاراتهم، من شأنها أن تشجع على اللجوء مرة أخرى إلى خيار الشارع مهما كانت التكاليف.

ويرى خبراء أن هذه المظاهرات من شأنها أن تكرس الانقسام داخل نظام الجمهورية الإسلامية، وتعمّق الهوة بين الشارع والسلطة، ما يدفع جيل الشباب المؤيد بمعظمه للحركة الإصلاحية، لإطلاق شعارات لا يؤيدها في الغالب زعماء الإصلاح.

و بعد هذه المظاهرات تحدث الإصلاحيون عن استحالة المصالحة الوطنية   إلا إذا رضخ النظام لمطالب الشعب، وتشكيل الحكومة الخضراء، في إشارة إلى تسليم الحكم للإصلاحيين، مايتناقض تماما مع رؤية الممسكين بالسلطة، لكيفية التعاطي مع أصوات الشعب، خصوصا بعد أن اعتبر خامنئي مجرد التشكيك في نتائج الانتخابات جريمة كبرى!.

 

http://www.majalla.com/ar/cover_story/article11401.ece

 

—————

للخلف