اقتراع قد يكون "الأكثر مصيرية في تحديد ملامح العراق الجديد"

08/03/2010 10:47

ليس من المبالغة القول إن الانتخابات التشريعية المقبلة في العراق هي الأكثر مصيرية في تحديد ملامح العراق الجديد، رغم أنها تجري كما كل الإنتخابات السابقة في ظل الإحتلال الأمريكي بكل ما تحمله كلمة "الإحتلال" من معانٍ، وما رافقها أو سبقها من شد سياسي وأمني يظل يلقي بظلاله على المشاركة الشعبية سلبا أو إيجابا.

 

 

وتشير الوقائع التي سبقت الإعلان بشكل رسمي عن موعد هذه الإنتخابات (7 مارس 2010)، إلى أن العراقيين باتوا أكثر إقتناعا بإمكانية إعادة تأسيس دولة القانون التي يحلمون بها، رغم كل التجاذبات المحلية، والتدخلات الإقليمية والدولية، وعلاقة هذا الطرف المحلي بهذه الدولة أو تلك، وما يمكن تسميته "تحول القوائم الانتخابية " إلى أدوات صراع إقليمي، وتأثير المال السياسي الذي أصبح ورقة حاسمة في صناديق الإقتراع خصوصا في ظل ما يقال عن "شراء" الأصوات وحجم الدعاية الانتخابية التي ساهم المال السياسي من دول معينة، في فرضها خلال الحملة الانتخابية المستمرة.

 

ويمكن القول في عجالة إن "المال السياسي"، بات تأثيره واضحا في هذه الانتخابات، وربما يفوق تأثيره بكثير، "دور" الرموز الدينية والإصطفافات الطائفية، الذي لم ينحسر كثيرا عن المشهد اليومي في العراق الجديد، وإنْ تراجع.

 

المرجعيات الدينية.. والمشاركة الشعبية

 

وإذا كانت المرجعية الدينية، وتحديدا مرجعية السيد علي السيستاني، نأت بنفسها بشكل مباشر عن العملية الانتخابية وممارسات الكتل أو الأفراد في هذه الانتخابات، إلا أن هيكلية هذه المؤسسة الدينية "المعقدة" والضاربة في جذور وأعماق الوجدان الشيعي، بتفاصيل الأشخاص المرتبطين بها ومن يسمون بالحواشي والوكلاء وما لديهم من علاقات ومصالح، تبقى تؤثر بشكل أو بآخر في جذب الناخب الشيعي نحو صناديق الاقتراع، إلى جانب التفسيرات التي تقدم في المساجد والحسينيات للمقلد الشيعي عن أهمية إنتخاب الأقرب ولاء للمذهب والطائفة، وتحذيره "المتواصل" من مرشحين "شيعة" يحسبهم وكلاء المرجعية من المحاربين أو المعارضين او في أحسن الحالات، من المواجهين لنفوذ المرجعية الشيعية في بلد عانى من خطر الاصطفاف الطائفي كثيرا.

 

نفس الشيء يمكن أن ينسحب على "السنّة" حتى مع وجود القوائم المفتوحة، وإنْ بدرجة أقل بسبب أن السنّة يفتقدون للمؤسسة الدينية المنتظمة في هياكل، عندما أفتى علماؤهم بوجوب المشاركة هذه المرة، وتفادي المقاطعة التي لايتوقع أحد أن تشهدها الانتخابات المقبلة، اللهم الا من جماعة "هيئة علماء المسلمين"، أو من أشخاص، لحسابات سياسية أو شخصية خصوصا الذين أبعدتهم "هيئة المساءلة والعدالة" بسبب إنتمائهم، أو ترويجهم لحزب البعث، ومن لم تتوفر فيهم شروط الهيئة، وهؤلاء أيضا منقسمون.

 

وفي هذا الواقع، فان المشاركة الشعبية في الانتخابات العراقية، قد يشجع عليها ولا يقلل من حجمها، التحدي الشعبي لمواجهة تهديدات "دولة العراق الاسلامية" وباقي تنظيمات القاعدة، والجماعات المسلحة التي تتذرع بوجود الإحتلال لكي تعارض العملية السياسية ومنها الانتخابات، ويبقى المال السياسي، ومن أين جاء وكيف يُصرف، هو من يتحكم الى حد بعيد في شراء الولاءات.

 

"الخطر الإيراني" بين الحقيقة والتهويل

 

لقد عبر العراقيون "أزمة الأسماء المقصيين" وما يسمى بــ "إجتثاث البعث"، ولكنْ بطريقتهم الخاصة رغم ما يقال عن دور إيراني ينفيه القائمون خلف "هيئة المساءلة والعدالة" خصوصا عندما رفضت الهيئة دعوات أمريكية وصفت "لأول مرة" بالتدخلات، لإعادة النظر في قرارها إبعاد رموز وشخصيات "سنية" وحتى "شيعية" عن خوض الإنتخابات، وكادت أن تتفجر أزمة داخلية قوية لولا تراجع الأمريكيين في اللحظة الأخيرة لصالح قرار لجنة المراجعة القضائية لقرار الهيئة.

 

وذلك أن واشنطن أظهرت أنها حريصة على نجاح الانتخابات، على وقع هشاشة الوضع الأمني، وجهوزية إيران للتدخل بقوة لصالح إستراتيجيتها طويلة الأمد في العراق والقائمة أساسا على دعم العملية السياسية أو تفجيرها، لتحقيق هدف أولي وهام وهو الإنسحاب الأمريكي من العراق، حتى وإن كان شكليا، والاسراع في تشكيل حكومة مستقرة، تحول دون إستخدام العراق منصة لانطلاق أي هجوم عسكري أمريكي محتمل على إيران.

 

ولاتبدو الولايات المتحدة راغبة في هذه المرحلة بالذات، في التراجع عن وعود الرئيس الأمريكي باراك أوباما في شان الإنسحاب، وذلك لأن تحقيق إنتصار ولو جزئي في نجاح العملية السياسية، يجعل واشنطن، تُولي اهتمامها لملف القاعدة والمسألة الأفغانية وطالبان، ومعركة باكستان مع جزئها الطالباني، خصوصا في ظل بقاء أزمة اليمن المفتوحة على أكثر من احتمال خاصة في الحرب ضد القاعدة وأيضا "الحراك " الجنوبي، حتى بعد التوصل الى اتفاق مع الحوثيين في الشمال.

 

ومهما قيل ويقال عن "الدور الايراني" في العراق، فقد كشفت الحملة الإنتخابية أن البعثيين ومن يروّج لفكرهم، ومن ساهم بشكل أو بآخر في الحرب العراقية الايرانية، وما يزال يؤمن بطريقة رئيس النظام السابق صدام في حل الأزمات والخلافات مع دول الجوار، عن طريق شن الحرب واللجوء الى القوة العسكرية، استخدموا سياسة "التهويل" بالخطر الإيراني، لتحقيق مكاسب إنتخابية، مع ملاحظة أن جميع المرشحين دون استثناء، وحتى الكتل الكبيرة، غاب عن دعايتها الانتخابية، البرامج الواضحة، وما شهدته معركة الدعاية وما تضمنه عدة المرشحين، هو مجرد شعارات وهوس إعلامي وإعلاني كبير، والكثير منها هدد علنا باقصاء "الآخر".

مفاوضات تحت الطاولة.. وعلنا

 

 

—————

للخلف