ديكتاتورية الحداثة!

28/02/2013 02:55

 

نجاح محمد علي

ديكتاتورية الحداثة!

قرأت في بعض الردود على مقال سابق تعليقا يتضمن تهديدا حاول صاحبه أن يضفي عليه طابعا عشائريا ولم أكن أعرف أن السيد "أحمد القبانجي" الذي تحدث كثيرا عن العقل من خارج الدين هو من الگرامشه، علما أنني رفضت وبشدة اعتقال القبانجي من طرف السطات الايرانية، بنفس الدرجة (وربما أكثر) التي رفضت فيها أيضا (أفكاره) خصوصا وهو يناقش الغيب بتقنيات الدنيا ودون أن يطوي المراحل العقلية في الإيمان بما أصبحت تعرف بأصول الدين.

وبشكل عام لاحظت أن المؤيدين للقبانجي يمارس منذ اعتقاله غير المبرر - إذا كان في سياسة كم الأفواه - نوعا غريبا جدا من الإقصاء والديكتاتورية الفكرية ينبغي مع (الآخر) المخالف لما يطرحه ويتبناه، وهم يعتبرون (أفكار) القبانجي، خروجا على قبائلية المتدينين، وهزيمة لديماغوجية التيارات الدينية خارج عالم الحداثة وكل وما ألفته الحوزة الدينية من جمود وانغلاق سطر عليها خصوصا في تمسكها بنصوص بشرية لا تحمل صفة القداسة.

بعض المؤيدين للسيد (...) وهم مع الأسف صحفيون أو محسوبون على هذه المهنة التي يتطفل عليها الكثير في العالم الافتراضي، أظهروا ضيق أفق عكس خطورة (الأفكار) التي روج لها القبانجي ومن ترجم لهم، حتى وهو يعرقنها مستخدما كلمات لا تليق في أي حوار فكري بين شخصين فما بالك وهو يناقش غيبيات الله ووحيه وأنبيائه وما يفيض عنه من جنة أو نار وقرآن وبقية كتبه.

بعضهم أزبد وأرعد وسب وشتم وظل أسير تربية مجتمع (ما قبل الحداثة) لأنه ظن أنني أسب السيد وأشتمه حين قلت أنه لا يرقى الى مستوى مفكر وآخر استخدم لغة التهديد والوعيد ونسي أن إخراج المجتمع من سيطرة المؤسسة الدينية يتعارض تماما مع الحداثة وفرض الوصاية على الآخرين وسلبهم حقهم في التعبير عن آرائهم في شأن ما يعتقد به أخونا السجين فرج الله كربته.

ما يحدث في مجتمع ما قبل الحداثوية الدينية أنه حول الدين والمذهب الى قبيلة وعشيرة، وأنك حين تنتقد إصرار الشيعة مثلا على المبالغة في بعض الطقوس والشعائر، فستجد نفسك خارج الدين والمذهب ومنحرفا عن الملة ووهابيا خصوصا إذا كنت مثلي تعمل في قناة العربية الليبرالية الإخبارية التي فسحت مجالا في أهم برامجها للسيد القبانجي ليبلغ لمعتقداته بحرية ودون وصاية من أحد. والمضحك المبكي فقد كشفت ازمة اعتقال القبانجي (اللهم فرج عن كل مكروب) أن من يزعم أنه من أنصار التعددية وحرية التعبير، ويرفض هيمنة رجال الدين وقداسة المرجعية وغير ذلك من التابوهات التي لا أعترض أبدا على نقدها من الداخل والخارج بممارسة العقل، لا يعرف غير لغة التخوين والتكفير بمعنى الإقصاء وهو بالتأكيد جهد العاجز، وحجة من يفتقد الحجة والدليل.

يا جماعة الخير.. الاختلاف في الرأي والانحراف عن المألوف السائد من قراءات محدودة للدين والعقل، ونقد الآخر وفكره وإن كان الله ومحمد وبقية الأنبياء ومن نعتقد بعصمته مهما كان، هو أبرز ما تقوم عليه (أفكار) السيد وهو يدعو الى العقلانية والانفتاح والتجديد لإخراج الدين الإسلامي من أسر التفسيرات التقليدية التي أدت وتؤدي الی تشجيع التطرف واللاتسامح اللذين كانا سمة معظم نقاشات (عراكات) المؤيدين له.

يقول بعض مؤيديه إن السيد ركل المعممين (وهو معمم ويصر على أن يحتفظ بلقب سيد) في مؤخراتهم، وأن سلاحه الكلمة والقلم، ونحن كذلك، وأن الذي يخاف الكلمة والقلم شيطان كذاب غير محترم، ونحن نقول نفس هذا الكلام، فلماذا فرض الوصاية على الآخرين علما بأن مفكرات الحرية وحقوق الإنسان والليبرالية والتعددية وغيرها غابت تماما في صخب الاحتجاج على اعتقاله.

وما دمنا نتحدث عن اعتقال وإيران واطلاعات وتعذيب في إيفين وبقية سجون الجمهورية الاسلامية التي بشرت بعصر الظهور وتعجيل الفرج لقائمنا؟ وهي مفردات أزعم أنني أعرفها أكثر من الذين يعاودون كل ما له صلة بإيران فقط لأنهم مصابون فقط بمرض خطير أصبح يميز (وطنيي العراق) وهو ايران فوبيا، فيجب القول أيضا إن هذه (الأفكار) الحداثوية نتاج العقل الإيراني الذي أنتج من قبل قراءات مختلفة أخرى للدين والإنسان والله، منها بالطبع البابية والبهائية ولا ننسى طبعا الزاردشتية.. والعاقل يفهم.

مسمار:

- قيل للذئب: ما بالك تعدو أسرع من الكلب؟

قال: لأنني أعدو لنفسي والكلب يعدو لصاحبه

—————

للخلف


Topic: ديكتاتورية الحداثة!

لايوجد تعليقات