ربيع إيران

10/10/2011 13:35

 

إيران التي سبقت غيرها في المظاهرات الاحتجاجية التي طالبت في مرحلة لاحقة بإسقاط نظام الجمهورية الإسلامية، تستعد كما يبدو لإحياء تلك المظاهرات التي جوبهت بقمع "ديني" شديد فاق ما تفعله الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة وغيرها، لأنه قمع "مبرر" من وجهة نظر ولاية الفقيه


مظاهرات إيران المقبلة، يخطط الإصلاحيون لتنطلق في الموسم الانتخابي الجديد مع إطلالة سنة إيرانية جديدة تبدأ في 21 مارس/آذار وحلول فصل الربيع في الأول من الشهر الايراني "فروردين". 

ومن المقرر أن تشهد إيران انتخابات تشريعية سيقاطعها الإصلاحيون ما لم تتوافر شروط صحية تضمن لهم أن لا تتكرر تلك الخروقات الكبيرة التي حولت نتيجة الانتخابات الرئاسية لعام 2009 لصالح تجديد ولاية ثانية للرئيس محمود أحمدي نجاد، وما تبع ذلك من احتجاجات نادت في البداية بإعادة الحق الى أصحابه عندما حصد المرشح مير حسين موسوي غالبية الأصوات، قبل أن يسرق أنصار ولاية الفقيه تلك النتيجة لصالح أحمدي نجاد، وقد رفع المحتجون آنذاك شعار "أين صوتي" وطالبوا بإعادة الانتخابات أو الإذعان لصوت الشعب في اعتبار موسوي رئيساً للبلاد.

ولكن، وبعد القمع الشديد الذي واجهته تلك المظاهرات السلمية رغم أنها خرجت بحسب ما نص عليه دستور الجمهورية الاسلامية، رفع المتظاهرون شعار "الموت للديكتاتور" وكانوا يقصدون به في البداية الرئيس الذي تحالف معه الحرس الثوري ضد الإصلاحيين ومعه باقي المؤسسات التي أخضعها الولي الفقيه آية الله علي خامنئي له، كمجلس الخبراء المعني أساساً بتقييم أدائه ومن ثم عزله إذا فقد واحداً من شروط القيادة

وكان التأييد الواسع الذي أظهره خامنئي للرئيس وإعلانه في الجمعة التالية بعد الانتخابات صحتها، حتى قبل أن يبتّ فيها مجلس صيانة الدستور المسؤول عن هذه المهمة، سبباً في أن يحرق متظاهرون صوراً لخامنئي وإطلاق شعارات ضده ورفع سقف مطالب الكثير من المتظاهرين الى "إسقاط النظام" وتغييره، خصوصاً بعد موقف خامنئي غير المبالي بحجم القمع الذي مُورس مع المحتجين، خصوصاً التعذيب حتى الموت واغتصاب معتقلين في سجن كهريزك، عدا إصداره أمراً بإغلاقه بعد أن فاحت رائحة موت روح الأميني نجل عبدالحسين روح الأميني المقرب منه.

الربيع العربي

وكانت آخر مظاهرة احتجاج كبيرة نظمها الاصلاحيون في شباط/فبراير المنصرم، بعد التغيير الذي حصل في تونس، واندلاع انتفاضة الشعب المصري، عندما نزل أنصار الزعيمين الإصلاحيين موسوي ومهدي كروبي استجابة لدعوة مشتركة منهما، لإعلان التأييد للتغيير في تونس ومصر، ولاستلهام العبر رغم أن السلطات كانت اعتبرت منذ مظاهرات عاشوراء في كانون ثاني/يناير 2010, كل من ينزل الى الشارع مفسداً في الأرض ومحارباً لله وللرسول، حيث حُوكم بعض المحتجين واستحقوا بذلك أحكاماً بالإعدام نفذت بالكثيرين

ولتفادي تأثيرات الربيع العربي على الشارع الايراني سارعت السلطات التابعة لخامنئي باعتقال موسوي وكروبي، ووضعتهما مع زوجتيهما منذ فبراير، في الإقامة الجبرية في مكان مجهول، في محاولة لكسر شوكة الإصلاحيين، ومنعهم من التواصل مع قادتهم. وفي نفس الوقت أطلق خامنئي على موقعه صفحة خاصة سماها "الصحوة الاسلامية" استثنت ما يجري في سوريا

ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة في الربيع ومخاوف أعلنها خامنئي من أن ترافقها اضطرابات وتدخل أجنبي حذر منه المتحدث باسم الخارجية "رامين مهمنابرست"، يضاف لها وضع الرئيس السوري بشار الأسد الذي لا يُحسد عليه، وهو الحليف الأبرز لإيران والرئة التي يتنفس بها حزب الله لبنان.. ورقة إيران الرابحة في المعادلات الإقليمية والدولية، فإن الإصلاحيين أخذوا يعدون العدة بكل جدية لإيجاد التغيير القادم من خلال إعادة تنظيم صفوفهم واستثمار تطورات الموقف الغربي المؤيد للتغيير في الشرق الأوسط، حتى وإن كان ذلك يتعارض مع بعض ما يرواه (الغرب) من مصالح له في إيران بوجود الرئيس أحمدي نجاد وعموم تيار المحافظين.

مؤتمرات

ونظم معارضون من مختلف الاتجاهات في لندن مؤتمراً شاملاً عقد في حزيران/يونيو برعاية مركز الدراسات الايرانية العربية الذي يرأسه الناشط السياسي "علي نوري زادة"، وقد بحث لأول مرة شكل النظام المقبل على أساس الفيدرالية رغم التباين الكبير الذي ظهر بين ممثلي الفرس الرافضين، وممثلي باقي القوميات خصوصاً العرب والكرد والأتراك والأذريين والبلوش المطالبين بحكم فيدرالي يضمن وحدة ايران ويجنبها التقسيم

وعقد أيضاً مؤتمر مماثل في واشنطن في أيلول/سبتمبر ورفع شعار التغيير على أساس ما يجري في الشرق الأوسط، وشارك فيه إصلاحيون بارزون وغاب عنه الملكيون الذين كانوا حضروا مؤتمر لندن، واستبعد منهما ممثلو المنظمات المحاربة التي ترفع السلاح لإسقاط النظام

وتمحور المؤتمر حول رسم مستقبل إيران وكيفية تفعيل الآليات الخاصة بإسقاط النظام الإيراني

وطالب المجتمعون بضرورة العمل جدياً على إسقاط النظام الإيراني، إضافة إلى ضرورة دخول إيران في حالة مصالحة مع الجميع سواء مع جيرانها من العرب أو حتى مع إسرائيل وضرورة التعايش السلمي مع إسرائيل كما مع العرب وتركيا، وهي نقطة اهتم المشاركون بشدة بها، خصوصاً أنها تضع حداً للصراع الإيراني الإسرائيلي، زاعمين أنه لا يوجد أي سبب يدفع الإيرانيين إلى عداء إسرائيل واتخاذ مواقف متشددة منها

وسبق مؤتمر واشنطن الذي جاء بعد مؤتمر لندن، دعوة أطلقها مناصرون للملكية، للتظاهر في طهران والمدن الاخرى يوم 23 سبتمبر، وقد سمى صاحب الدعوة وهو زعيم منظمة "نسر ايران" الطيار السابق الجنرال مهدي روحاني المظاهرات "ثورة" 23 سبتمبر "والتي لم تلق صدى لها في الشارع الايراني، حيث لم يخرج ولا شخص واحد استجابة لتلك الدعوة اليتيمة.

ربيع زرادشتي

وإذْ أصبحت الثورات العربية ملهمة للإيرانيين بعكس ما يروّج خامنئي، فإن الكثير من الإصلاحيين وجد أن الربيع الايراني مقبل بالفعل وهو على الأبواب. وانضم لهم معارضون معروفون بانتقاداتهم للحركة الإصلاحية ولرموزها خصوصاً مير حسين موسوي وأبرزهم السياسي والإعلامي المخضرم حسن عباسي المعروف بـ"سياوش افيستا" صاحب قناة "مهر" الموجهة الى ايران

وتبث القناة من باريس سلسلة برامج وحوارات مع معارضين من مختلف الانتماءات والتوجهات، كلها تبشر بربيع إيران ولكن ليس على ليس على الطريقة الليبية

ورغم أنه يرى أن الثورات العربية متأثرة بحركة الاحتجاجات الايرانية خصوصاً الثورة التونسية، الا أن "سياوش افيستا" يصرّ في برامجه التي تنتقد النظام الديني بشدة على أن إيران مقبلة على تغيير كبير وشامل سيغير وجه المنطقة، مستنداً الى ما يصفه بتحول الكثير من الإيرانيين عن الإسلام الى الزرادشتية، بسبب "أداء النظام الديني السيئ"، ما أدى إلى خروج الإيرانيين من دين الله أفواجاً، على حد تعبيره.

ويتزعم "أويستا" ما يطلق عليها "الزارداشتية الجديدة"، وهو كما يقول تطوير للدين الزرداشتي الذي يعتقد بالإله "آهورا مزدا" وبصراع الخير والشر، وينشر قيماً مثالية عن الفكر الحسن والقول الحسن والفعل الحسن. وأكد "أفيستا" غير ذات مرة أن تغيير نظام الجمهورية الإسلامية بات حتمياً، وأن الإيرانيين لا محالة عائدون الى الزرادشتية حتى وإن لم يتحولوا عن الإسلام بشكل رسمي.

استالينية دينية

وفي خضم هذا الانتظار، فالحديث عن ربيع إيراني شجع قادة الحركة الإصلاحية المعتقلين على الدعوة من السجن الى التحضير للتغيير المقبل، وبرز ذلك في الرسالة المميزة التي نشرها موقع "كلمة" التابع لموسوي، وقال فيها القيادي في جبهة المشاركة الاسلامية، مصطفى تاج زادة: "إن ثورات الربيع العربي أخذت العبرة من الأنظمة الدينية الإستالينية"، في إشارة الى ايران والاستبداد الديني الذي قال إنه ميز وبشكل واضح الانتخابات الرئاسية المثيرة في عام 2009

ورداً على ما تروّج له ايران الرسمية حول استهلام الثورات العربية من الثورة الاسلامية الايرانية قال تاج زادة من زنزانته في سجن إيفين إن "تركيا كانت خير نموذج اقتدى به العالم العربي في ثوراته"، معتبراً أن إيران أصبحت عبرة لمن لم يعتبر, في ظل نظام قنن الديكتاتورية الدينية وشرع لها على حساب الإسلام"، مضيفاً: "إن حزب العدالة التنمية ذا التوجه الإسلامي المعتدل في تركيا هو من يمسك بزمام المبادرة في هذا البلد, وإنه استلهم هذا من الإصلاحيين في إيران".

وأورد تاج زاده في رسالته ما وصفها بالقرائن التأريخية ليطعن بقوة في النظام الاسلامي, مستنداً الى التطورات الأخيرة التي شهدها العالم عموماً والربيع العربي خصوصاً, وإلى تأريخ صدر الإسلام, متحدياً بذلك تيار الأصوليين وقال إنهم يجرون البلاد بمفاهيمهم الخاطئة إلى ما سماها "الإستالينية الدينية".

وأساس استدلال تاجزاده في رسالته هذه هو تقدم الديمقراطية والحرية وكرامة الإنسان على المبادئ الأخرى؛ لأنه يعتقد أنه سيكون للعمل المبني على الأسس الأخلاقية نتائج صحيحة عندما يكون الإنسان مخيراً على عمل الخير وليس مجبراً عليه بفرض الحكام إرادتهم على الشعب، حسب وصفه.

وتطرق تاج زاده في رسالته إلى الحرية والديمقراطية من زاوية المصالح الوطنية، وأكد أن الديمقراطية ليست ضرورة للحياة الإنسانسية والأخلاقية للبشر وحسب, بل هي معالجة للأمن القومي وضمان دائم له، "وإن الحكومات المستبدة والمبني حكمها على الديكتاتورية, ستنهار مع اندلاع أي أزمة".

الفقيه المستبد

وليس تاج زادة وحده من يرى أن إيران ودعت عهد السياسات العقائدية وتحولت إلى البراغماتية السياسية؛ لأن معظم قادة التيار الإصلاحي، ومعهم غالبية الشبان من غير المتدينين، ما عاد يؤمن أصلاً بنظام ديني أو قائم على تفسيرات دينية، بل ذهبت ردة فعل المعارض أكير غنجي، وكان يوماً مثل تاج زادة في السلطة يعمل داخل أجهزتها الأمنية، لكي يعلن في مؤتمر "الشرق الأوسط وإيران" الذي عقد في واشنطن "أن آية الله الخميني حول نظام الشاه الديكتاتوري، الى ديكتاتورية الولي الفقيه"، واصفاً الخميني بالسلطان المستبد، معتبراً انتصار الثورة الاسلامية سبباً في تفتيت الوحدة الوطنية ونشر ما سماه "العنف المقدس" في البلاد

وشدد غنجي، وهو يمثل شريحة واسعة في التيار الإصلاحي، على توجيه انتقادات حادة لمشاركة رجال الدين في السلطة وقال: "إن الخميني كان مجتهداً في الدين عارفاً ناسكاً لكنه تحول بسبب الحكم الى "سلطان" مطلق الصلاحيات وخدع الإيرانيين بالحكومة الدينية"، وحذر العرب من الوقوع في "خطأ الحكومة الدينية"، وقال إن الإسلام المدني غير الحكومة الدينية التي دعا العرب الى تجنبها وإيجاد حكم مدني يؤمن بالديمقراطية وتداول السلطة بشكل سلس. ودعا الى تغيير نظام الجمهورية الإسلامية وإسقاط نظام ولاية الفقيه وإيجاد نظام مدني ديمقراطي في إيران يمنح القوميات والأقليات الدينية حقوقاً متساوية

وقال غنجي، الذي انتقد بشدة الموقف الأمريكي من قيام دولة فلسطينية: "إن إسرائيل يجب أن تبقى، وإن مقولة إيران إسرائيل يجب أن تزول لا يطلقها إلا الحمقى"، ما دفع الى توجيه انتقادات للإصلاحيين وعما إذا كان التغيير المقبل في إيران، اذا سار كما يراد له، سيصبح ربيعاً لإسرائيل أيضاً التي هللت كثيراً للربيع العربي، وهي لا تخفي رغبتها في إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية بكل الطرق ومنها الضربات العسكرية!

 

نـجـاح محمد علي

 

المصدر :

http://www.alarabiya.net/views/2011/09/30/169486.html

—————

للخلف


Topic: 30 September 2011 21:13

لايوجد تعليقات